Deen Lens

مجلة مستقلة للفكر الإسلامي

رد المسلم: هل يأتي الله بالخير والشر معًا؟

إن كان إله القرآن يأتي بالخير والشر، أفيناقض ذلك عدله؟ نظر في حرية الإرادة، وفي الشر بوصفه ابتلاءً، وفي الحكمة من خلق الشيطان.

بينما يأتي إله القرآن بالخير والشر معًا، فإن إله الكتاب المقدس لا يفعل الشر قط وهو بارّ على الإطلاق (١ يوحنا ١:٥).

سؤالهل هذا القول صحيح؟

جواب

السلام عليكم! الحمد لله! شكرًا جزيلًا على هذا السؤال.

لو أخذنا العبارة بظاهرها لبدت موحية بأن إله القرآن غير عادل، ما دام يجلب الشر للناس كذلك. فلننظر: أهذا فعلًا ما يعلّمه القرآن؟

الله بحسب تعريفه ينبغي أن يكون رحيمًا رؤوفًا، وألّا يجلب الشر لخلقه. غير أنه بحسب تعريفه أيضًا خالق كل شيء — ومن ثمّ فقد خلق الشيطان. والشر كله من الشيطان لا من الله. ومع ذلك، إن كان يحبّنا فينبغي أن يكون قد حذّرنا من الشيطان تحذيرًا بيّنًا، وبيّن لنا حكمة خلقه ابتداءً.

في الإسلام، كل ما حولنا مقدَّر بإحكام وفق مشيئة الله (سبحانه وتعالى) من بدء الخلق — لا شيء مصادفة، والله يعلم سلفًا ما ستكون عليه أفعالنا. ومع ذلك نُعلَّم أن لنا إرادة حرة في اختيارنا. وقد يبدو الأمران متنافيين للوهلة الأولى، وليسا كذلك: فاختياراتنا الحرة تنتهي إلى موافقة ما علمه الله أنه كائن. والجمع بينهما — ألّا شيء مصادفة، وأننا مع ذلك نفعل بإرادة حرة — هو نفسه من دلائل أن الله هو الإله الحق وحده، إذ يعزّ التوفيق بين هاتين الصفتين وإحاطة العقل بهما.

وعلى ذلك، من الإنصاف أن يقال إن الله يسوق إلينا الخير لا الشر — وإنما إلينا أن نتبع الله أو نتبع الشيطان. وما نختاره فهو، بحكم التصميم، محض إرادتنا. فإن اتبعنا الله فالخير منه، وإن اتبعنا الشيطان فلا خير فيه، وغياب الخير هو الشر.

وإذا كان الشر من الشيطان، فقد قلنا إن الله خلقه ابتداءً — فبهذا المعنى يرجع كل ما يصيبنا، حتى ثمار عمل الشيطان، إلى مشيئة الله. فما الحكمة؟ وكيف يخلق إله رحيم رؤوف شرًّا للبشر؟ في الإسلام خلق الله الشر ابتلاءً. فلولا الابتلاء — لولا وجود الشر — فما معنى الجنة والنار؟ خلق الله الجنة والنار لمن يستحقهما، ولا بدّ من سبيل يُفرَز به من يستحق الجنة ممن يستحق النار.

وانظر كيف تنتقي الجامعات طلابها: امتحان القبول ليس قصدًا للأذى، بل لتمييز من هو مؤهَّل للنجاح، وفي ذلك نفع للجميع إذ يضمن كفاءة الممارسين في القانون والطب والهندسة. وعلى المنطق نفسه يبتلينا الله — لا لأنه يحتاج أن يعلم (فهو عالم)، بل ليظهر الفرق بين من يتبعه ومن يتبع الشيطان. لكنه، خلافًا لامتحانات القبول، قد أخبرنا سبحانه — وهو أرحم الراحمين — بالجواب سلفًا: أن نثق به ونتبعه وحده، لا الشيطان الذي هو لنا عدو مبين.

والإله في العهد القديم يفعل كذلك ما قد يبدو شرًّا لغاية أكبر — كإفزاع الجيش الأشوري حتى يهرب في سفر الملوك — مما يشير إلى أن هذا التوتر بين سلطان الله ووجود الشر ليس خاصًا بالقرآن؛ بل يجري في سرد الكتاب المقدس نفسه.

هدانا الله جميعًا، إله عيسى (عليه السلام). ودمتم بخير.